عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

104

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

وأملى ، وحدث ، وعاش ثمانياً وسبعين سنة ، اشتغل في ابتداء أمره بالحديث والفقه ، ثم اتصل بخدمة علي بن شاذان المعتمد عليه بمدينة بلخ ، وكان يكتب له ، ثم خلاه وقصد داود بن مكائيل السلجوقي بالسين المهملة والجيم والقاف والد السلطان ألب أرسلان - فطهر له منه النصح والمحبة ، فسلمه إلى ولده المذكور ، وقال له : أتخذه والداً ، ولا تخالفه فيما يشير به . ثم لما توفي داود ، وملك ولده المذكور ، دبر نظام الملك أمره ، فأحسن التدبير ، وبقي في خدمته عشرين سنة ، ثم توفي السلطان المذكور ، فازدحم أولاده على الملك ، ثم آل أمر المملكة لولده ملك شاه ، فصار الأمر كله للنظام ، وليس للسلطان إلا التخت والصيد ، وأقام على هذا عشرين سنة ، ودخل على الإمام المقتدي بالله ، فأذن له بالجلوس بين يديه ، وقال له : يا حسن ، رضي الله عنك برضى المؤمنين عنك . وكان مجلسه عامراً بالفقهاء والصوفية ، وكان كثير الإنعام على الصوفية ، فسئل عن سبب ذلك فقال : أتاني صوفي وأنا في خدمة بعض الأمراء ، فوعظني ، وقال : أخدم من تنفعك خدمته ، ولا تشتغل بما يأكله الكلاب غداً . فلم أعلم معنى قوله ، فشرب ذلك الأمير من الغد - وكانت له كلاب كالسباع ، تفترس الغرباء - فغلبه السكر ، فخرج وحده ، فلم تعرفه الكلاب ، فمزقته ، فعلمت أن الرجل كوشف بذلك . فأنا أخدم الصوفية لعلي أظفر بمثل ذلك ، وكان إذا سمع الأذان أمسك عن جميع ما هو فيه ، وكان إذا قدم عليه أبو المعالي إمام الحرمين ، وأبو القاسم القشيري صاحب الرسالة بالغ في إكرامهما ، وأجلسهما في مسند . وبنى المدارس والربط والمساجد في البلاد ، فاقتدى به الناس ، وشرع في عمارة مدرسته ببغداد سنة سبع وخمسين وأربع مائة . وفي سنة تسع وخمسين جمع الناس على طبقاتهم ليدرس بها الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ، فلم يحضر ، ودرس أبو نصر بن الصباغ بها عشرين يوماً ، ثم درس بها الشيخ أبو إسحاق قلت : وقد تقدم إيضاح ذلك ، وبيان سبب تغيب الشيخ أبي إسحاق عن التدريس في أول الأمر ، وتدريسه بها فيما بعد ، في ترجمته في سنة ست وسبعين وأربع مائة ، واسمع نظام الملك الحديث بعدما سمعه ، وكان يقول : إني لأعلم أني لست أهلاً لذلك ، ولكني أريد أن أربط نفسي في قطار النقلة لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ويروى له من الشعر قوله : بعد ثمانين ليس قوه * ذهبت نشوة الصبوه كأنني والعصا بكفي * موسى ، ولكن بلا نبوة